عبد الكريم الزبيدي
26
عصر السفياني
فرضت واقعا جديدا حال دون نجاح الأمم المتحدة في إقامة نظام عالمي جديد ، ولذلك تسلمت الولايات المتحدة الأمريكية فعليّا زمام المبادرة لإقامة نظام عالمي جديد يفرض على العالم قيادة الدولة الواحدة ، والقوة المتغطرسة ، والهيمنة المتجبّرة على مصادر الطاقة ، وسبل التجارة والاقتصاد ، وذلك بما تملكه الولايات المتحدة من قوة عسكرية وسياسية واقتصادية . فمن حيث القوة العسكرية برزت القوة العسكرية النووية الأمريكية قوة رئيسة ، وأصبحت الحارس القوي على أمن النظام العالمي الجديد ، بدلا من الأسطول البريطاني ، وأصبحت القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في أنحاء العالم هي التي ترسم وتوجّه سياسات دول العالم . ومن حيث القوة الاقتصادية ، فقد برز الاقتصاد الأمريكي عملاقا لا ينافس ، واستطاع أن يطبع الأسواق العالمية بختمه الخاص الذي لا يستطيع أحد أن يتجاوزه دون أن يأخذ تخويلا من الإدارة الأمريكية ، وحلّ الدولار الأمريكي محلّ الجنيه الإسترليني في تعاملات الأسواق . ومن حيث القوة السياسية ، فإن المؤسسات السياسية الأمريكية في البيت الأبيض والكونجرس والخارجية تتمتع بكفاءة عالية لم تبلغ كفاءتها أيّة دولة في العالم . أما من الناحية الدينية ، ففي الوقت الذي كان الإيمان الديني في نفوس الأوربيين يؤشر إلى العدّ العكسي نحو الأسفل ، كان الإيمان الديني في نفوس الأمريكيين يؤشر إلى العدّ المتصاعد نحو الأعلى . ففي عام 1990 م أجرت مؤسسة ( غالوب ) استطلاعا واسعا للرأي العام شمل حوالي 60 دولة ، وكان موضوعه الدين - وكانت هذه المؤسسة قد أجرت الاستطلاع نفسه قبل حوالي 50 عاما - وأسفر الاستطلاع الأخير عن مفاجأة مذهلة ، إذ تبيّن أن معدلات الاهتمام بالدين قد هبطت كثيرا في البلدان الأوربية ، عما كانت عليه وقت نهاية الحرب العالمية الثانية ، ولكنها ارتفعت كثيرا في الولايات المتحدة الأمريكية ، وتبيّن أن تسعة من كلّ عشرة أمريكيين متديّنون .